الجغرافية السياسية La géographie Politique



الجغرافية السياسية
La géographie Politique

الجغرافية السياسية: هي مجموع العلاقات التبادلية – التأثيرية بين كل من الجغرافية والسياسة. حيث تفرض الجغرافية نفسها على السياسة كقدر لا فكاك منه. و من هنا تسعى السياسة لتخطي العوائق الجغرافية مثلاً شق القنوات البحرية (مثل قناة السويس بمصر و بنما و غيرها) و الأنفاق تحت البحار (مثل نفق قطار فرنسا – بريطانيا) و الجسـور (جسر اسطنبول الرابط بين آسيا – أوربا و جسر السعودية – البحرين و غيرها..).
هذا و تنسب الجذور الأولى لدراسة الجغرافية السياسية لأرسطو Aristote(383-322 ق.م) الذي كان أول من تحدث عن قوة الدولة المستمدة من توازن ثرواتها مع عدد ساكنيها. و ترك أرسطو أفكاراً بالغة الأهمية عن وظائف الدولة و مشكلات الحدود السياسية.
و ظّلت أفكار ربط الممارسات السياسية بالخصائص الجغرافية تتطور بإسهامات فلسفية متعاقبة. و اكتسبت هذه الأفكار دفعة قوية بما كتبه عبد الرحمن بن خلدون (1342-1405م) التي ظهرت في مقدمته الشهيرة. و فضل ابن خلدون يتمثل في تشبيهه الدولة بالإنسان الذي يمر بخمس مراحل حياتية هي الميلاد والصبا والنضج والشيخوخة والموت.
و هذه الدورة الحياتية للدول و ارتباطها بمقدرات الدولة أرضاً و سكاناً و موارداً .. كانت أبرز ما نقله المفكرون الغربيون فيما بعد حينما تمت بلورة الصياغة العلمية لقيام وسقوط الحضارات.
ومع العقود الأولى للقرن 18 شهدت فرنسا ظهور أفكار جغرافية سياسية رصينة صاغها مونتسكيو (1689-1755م) جنباً إلى جنب مع ما قدمه من أفكار اجتماعية و فلسفية و قانونية.
بيد أن اعتقاد مونتسكيو الشديد في الحتمية البيئية نحا به لأن يربط مجمل السلوك السياسي للدولة بالعوامل الطبيعية وعلى رأسها تحكم المناخ و الطبوغرافيا مع التقليل من مكانة العوامل السكانية و الاقتصادية.
و ظلّ تقييم دور العوامل المكانية(الجغرافية) في تاريخ و مستقبل الدولة السياسي بدون صياغة متكاملة حتى ظهرت في المجتمع الألماني أفكار فردريك راتزل Ratzel (1844-1904م) و الذي يرجع إليه الفضل في كتابة أول مؤلف يحمل عنوان “الجغرافية السياسية” في عام 1897م.
آمن راتزل بأفكار داروين Darwin في التطور البيولوجي التي كانت سائدة في نهاية القرن التاسع عشر، وصبغ راتزل صياغته لتحليل قوة الدولة بالأفكار الداروينية التي طبقها الفيلسوف الإنجليزي سبنسر Spencerفي العلوم الاجتماعية تحت اسم “الداروينية الاجتماعية”.
وأكد راتزل على أن الدولة لا تثبت حدودها السياسية. و كانت الدولة لديه أشبه بإنسان ينمو فتضيق عليه ملابسه عاماً بعد عام فيضطر إلى توسيعها، و كذلك ستضطر الدولة إلى زحزحة حدودها السياسية كلما زاد عدد سكانها و تعاظمت مطامحها.
و على الجانب الآخر من القارة الأوروبية نجد في هذه الحقبة الجغرافيين اليوغسلاف يطوعون الجغرافية السياسية لتحقيق أهدافهم القومية. إذ لم يتورعوا معها أن يعبثوا بالخرائط السياسية لتحقيق مآربهم.
و كان المثال الأبرز هو الجغرافي اليوغسلافي الشهير يفيجييتش الذي “زيّف” في خرائط الحدود الإثنية للقومية المقدونية، مستغلا الثقة الممنوحة له من مؤتمر الصلح في فرساي 1919م، لسحب أراض مقدونية و ضمها إلى الصرب، و كانت المحصلة إذكاء الروح القومية للصرب و طموحهم للتوسع. ما أنتج  “البلقنة” لاحقاً.
و عبر مسيرته تعددت تعاريف الجغرافية السياسية و منها:
تعريف ألكسندر Alexander: القائل بأنها "دراسة الأقاليم السياسية التي تنقسم إليها الأرض كظاهرة من مظاهر سطحها سواء كانت الأقاليم صغيرة أو كبيرة."
تعريف بومان Bowman:  "الجغرافية السياسية هي علم يساعد في فهم السلوك السياسي للإنسان."
تعـريف كوهين Cohen:  "الجغرافية السياسية هي علم المناهج الجغرافية لدراسة العلاقات الدولية."
هذا و تتقاطع تعريفات الجغرافية السياسية و شروحاتها عند كونها دراسة الوحدات أو الأقاليم السياسية كظواهر لها مقومات وجودها و تطورها و اكتفائها معتمدة علي خصائص البيئة الجغرافية من حيث قوتها أو ضعفها و استقرارها أو تفككها. و أضيفت إلى مهامها لاحقاً دراسة النظم السياسية و الاقتصادية. و هي إضافات زادت تداخلها مع الجيوبوليتيك La géopolitique.
مجالات الجغرافية السياسية:
تعالج الجغرافية السياسية النمط السياسي للعالم و هو نمط معقد إلي حد كبير بسبب التجزئة المتباينة لسطح الأرض إلي وحدات سياسية تتفاوت في الحجم المساحي و السكاني تفاوتاً كبيراً، و تغير الأنماط السياسية في حدودها و مقوماتها و مشكلاتها الناجمة عن أنماط التفاعل مع البيئة التي تنعكس علي أوضاعها الداخلية و تمتد غالباً إلى علاقتها الخارجية. كما تهتم الجغرافية السياسية بمواكبة مظاهر التحول ،السلبية و الإيجابية، في نطاق الوحدات السياسية. و هو تحول يطال عدد سكان هذه الوحدات و مواردها و علاقاتها بالدول الأخرى.
هذا و تتسع مهام و مجالات الجغرافية السياسية مع تعقيد مظاهر التحول السياسي و تنامي دور الفرد فيها بما يدفعها للاتكاء على العلوم المساهمة في دراسة هذه التحولات و بخاصة منها علوم الإنسان و ضمن العلوم السياسية ما يكرس نقاط تقاطعها مع الجيوبوليتيك.
و كي لا نزيد هذا التقاطع غموضاً نعطي مثالاً عملياً يتمثل بمشروع شق قناة السويس بناء على قرار سياسي (بل يقال بناء على مؤامرة سياسية) و هي في هذه الحالة مثال على الجغرافية السياسية وعلى تأثر الجغرافيا بالسياسة و التضحيات التي تقدمها للتكيُّف مع ظروف الجغرافيا.

أما لو نظرنا لما تمثله قناة السويس اليوم من شريان حيوي للتجارة العالمية و الامدادات النفطية فإننا نجدها أرضاً مؤثرة في الاقتصاد و السياسة العالميين ما يجعل تأمين الحركة الملاحية فيها موضوعاً ينتمي إلى صلب الجيوبوليتيك لغاية إمكانية تسبب انتظام و أذونات الإبحار في هذه القناة باندلاع الحروب. و هو ما حدث العام 1956م حيث أدّى إعلان مصر تأميم القناة و بالتالي تحويل قرار الحركة فيها من بريطانيا إلى مصر. و كان الرد على التأميم حرب “العدوان الثلاثي” حيث شاركت في الحرب ضد مصر كل من إسرائيل و فرنسا و بريطانيا.

ليست هناك تعليقات